المقدمة التفسيرية
في المجتمعات الحديثة، تُعدّ حرية الصحافة وحقّ التبليغ عن الفساد ركيزتين أساسيتين لحماية المصلحة العامة. غير أنّ التجربة أثبتت أنّ غياب الضوابط الدقيقة قد يحوّل هذين الحقّين من أدوات كشفٍ وإصلاح، إلى وسائل تشهير، ابتزاز، أو تصفية حسابات شخصية وسياسية واقتصادية.
لقد شهد الرأي العام في السنوات الأخيرة حالات استُعمل فيها “المصدر السري” كدرعٍ لإخفاء:
• بلاغات كاذبة،
• معلومات غير متثبّت منها،
• أو حملات منظّمة لضرب سمعة أشخاص دون دليل.
وفي المقابل، تعرّض مبلّغون صادقون لخطر الانتقام والتتبّع، بسبب غياب حماية قانونية حقيقية وفعّالة.
من هذا التناقض نشأت الحاجة إلى هذا القانون، الذي يقوم على مبدأ بسيط:
لا حماية بلا مسؤولية، ولا مسؤولية بلا حماية.
فهذا النص لا يهدف إلى تقييد الصحافة، ولا إلى إخراس المبلّغين، بل إلى:
• حماية المبلّغ الصادق،
• صون كرامة الأشخاص من الثلب،
• ومنع تحوّل السرية إلى أداة للفساد بدل مكافحته.
الباب الأول: أحكام عامة
الفصل 1 – التعاريف
يقصد بالمصطلحات التالية، في معنى هذا القانون:
• المبلّغ: كل شخص طبيعي يقدّم معلومات أو معطيات تتعلّق بأفعال يُشتبه في كونها جرائم أو إخلالات جسيمة بالمصلحة العامة.
• البلاغ الجدي: البلاغ المدعّم بمعطيات أو قرائن أو وثائق أو شهادات من شأنها أن تجعل الوقائع المحتجّ بها معقولة وقابلة للتحقق.
• البلاغ الكيدي: كل بلاغ يثبت أنه قُدّم بسوء نية، أو بنيّة الإضرار بالغير، أو لتحقيق منفعة شخصية أو مالية أو سياسية.
• الصحفي: كل مهني إعلامي معتمد ينشر أو يعدّ محتوى صحفيًا موجّهًا للعموم.
• الثلب الإعلامي: كل نشر لادعاءات أو وقائع غير مثبتة تمسّ من شرف أو سمعة شخص طبيعي أو معنوي.
الباب الثاني: حماية المبلّغين
الفصل 2 – مبدأ الحماية
يتمتع المبلّغ بحماية قانونية كاملة متى ثبت:
• حسن نيته،
• وجدية البلاغ،
• وعدم سعيه لتحقيق منفعة شخصية غير مشروعة.
الفصل 3 – نطاق الحماية
تشمل الحماية:
• عدم كشف الهوية،
• الحماية من التتبّعات الكيدية،
• الحماية من الطرد أو الانتقام أو التهديد.
ولا تُمنح هذه الحماية آليًا، بل وفق الإجراءات المنصوص عليها بهذا القانون.
الباب الثالث: تنظيم سرية المصادر الصحفية
الفصل 4 – مبدأ السرية المقيدة
تُحترم سرية مصادر الصحفيين، غير أنّها لا تكون مطلقة، بل سرية قضائية تخضع للضوابط التالية.
الفصل 5 – إلزام الإعلام السري للقاضي
كل صحفي ينوي نشر مادة صحفية مبنية على بلاغ ذي طابع خطير أو ماسّ بالأشخاص، يُلزم قبل النشر بـ:
• إعلام قاضٍ مختص بهوية المبلّغ،
• وذلك في جلسة سرية، فردية، داخل مكتب القاضي،
• دون تدوين الهوية في أي سجلّ علني أو ملف قابل للتداول.
الفصل 6 – تقدير جدية البلاغ
يتولى القاضي:
• فحص جدية البلاغ،
• تقييم حدّ أدنى من المعقولية والقرائن،
• دون التدخل في المحتوى الصحفي أو منعه.
فإن ثبتت الجدية، تُستحفظ هوية المبلّغ سرًا.
وإن ثبت العكس، تُرفع الحماية القانونية عنه.
الباب الرابع: مكافحة البلاغات الكيدية والثلب
الفصل 7 – سقوط الحماية
تُسقط الحماية عن المبلّغ إذا ثبت:
• كذب الوقائع،
• أو سوء النية،
• أو وجود مصلحة مالية أو شخصية مباشرة.
الفصل 8 – تجريم البلاغ الربحي
يُعدّ جريمة مستقلة كل بلاغ ثبت أنّه:
• قُدّم مقابل منفعة،
• أو استُعمل للتأثير على منافسة اقتصادية أو سياسية،
• أو لتشويه السمعة عمدًا.
الباب الخامس: مسؤولية القاضي وضمانات الاستقلال
الفصل 9 – سرية القاضي
يلتزم القاضي بسرية هوية المبلّغ التزامًا شخصيًا ومهنيًا صارمًا.
الفصل 10 – إجراءات الاشتباه في التسريب
في حال وجود قرائن جدية تفيد احتمال تسريب القاضي لهوية المبلّغ:
• يُجمّد القاضي فوريًا عن العمل،
• مع الاحتفاظ بكامل جرايته،
• إلى حين انتهاء التحقيق.
الفصل 11 – نتائج التحقيق
• إذا ثبتت مسؤولية القاضي: يُعزل نهائيًا ويُحال طبق القانون الجزائي.
• إذا لم تثبت: يُعاد إلى عمله فورًا مع ردّ اعتباره كاملًا.
الباب السادس: أحكام ختامية
الفصل 12
تُحدث دوائر قضائية مختصة للنظر في:
• قضايا الثلب الإعلامي،
• البلاغات الكيدية،
• تسريب المعطيات السرية.
الفصل 13
يُلغي هذا القانون كل نص يخالفه أو لا ينسجم مع أحكامه.
الخاتمة
هذا القانون لا يقول:
• “اصمتوا”،
ولا يقول:
• “قولوا ما تشاؤون بلا حساب”.
بل يقول:
من يبلّغ بصدق يُحمى،
ومن يكذب يُحاسب،
ومن ينشر يتحمّل مسؤوليته،
ومن يحكم يخضع للمساءلة.
هو قانون يعيد التوازن بين:
• حرية التعبير،
• وكرامة الإنسان،
• وحق المجتمع في معرفة الحقيقة دون تزييف.
إنه انتقال من منطق الفوضى أو الخوف، إلى منطق الثقة المشروطة بالقانون.


تعليقات
0