«أنا وخويا على ولد عمي، وأنا وولد عمي على البرّاني»… لماذا يجب أن يكون هذا شعار الدولة التونسية؟
«أنا وخويا على ولد عمي، وأنا وولد عمي على البرّاني».
قد يبدو هذا المثل التونسي بسيطًا أو حتى فظًّا في ظاهره، لكنه في جوهره يلخّص فلسفة سياسية عميقة كان يمكن أن تكون أساسًا لبناء دولة متماسكة. بل لعلّه الشعار الوحيد القادر اليوم على إنقاذ تونس.
طوال عقود، رُفعت في تونس شعارات كبرى من قبيل العدل والحرية والكرامة. غير أن هذه الكلمات، رغم نُبلها، تحوّلت إلى شعارات فضفاضة استهلكتها كل الأنظمة، من الاستبداد إلى ما بعده، دون أن تُترجم إلى واقع يوحّد التونسيين أو يحمي الدولة. والنتيجة: شعب منقسم، ودولة ضعيفة، وسيادة مهدّدة.
شعب منقسم… ودولة مكشوفة
لم تتوقف تونس يومًا عن الانقسام:
• دستوري ويوسفي
• تجمعي ونهضاوي
• ثوري و«أزلام»
• علماني وإسلامي
• فاسد ونظيف
• خائن ووطني
هذه الثنائيات لم تكن يومًا صحية، بل تحوّلت إلى جدران داخل المجتمع، عطّلت أي قدرة جماعية على مواجهة الأخطار الحقيقية. ففي الوقت الذي كان فيه التونسيون يتناحرون داخليًا، كانت التحديات الخارجية تتراكم:
• الشروط الأوروبية المجحفة
• الهجرة غير النظامية وما تفرضه من ابتزاز سياسي
• صراع المحاور الإقليمية
• «طريق الحرير» وغزو السوق بالبضائع الصينية
• هيمنة دول الجوار، وعلى رأسها الجزائر
دولة منقسمة لا يمكنها أن تتصدى لهذه الضغوط. والتاريخ واضح: لا تُبنى الدول بالشعارات، بل بوحدة داخلية صلبة عند مواجهة الخطر الخارجي.
حين توحّدت الشعوب… تجاوزت المحرّمات
التجارب الدولية تُثبت أن توحيد الشعوب يصبح ممكنًا عندما يكون العنوان واضحًا: المصلحة الوطنية أولًا.
في الأرجنتين، قررت الدولة إعفاء كل مواطن يقبل تحويل ما يصل إلى 70 ألف دولار إلى العملة المحلية من أي ضرائب أو مساءلة حول مصدر الأموال، سواء كانت شرعية أو إجرامية. الهدف لم يكن أخلاقيًا، بل سياديًا: توفير العملة الصعبة لسداد الديون وإنقاذ الاقتصاد.
في اليابان، تعاملت الدولة ببراغماتية صادمة مع الياكوزا. فقد استُخدمت هذه المافيا المنظمة بعد الحرب العالمية الثانية لبسط الأمن، إعادة الإعمار، ومواجهة التمدد السوفياتي. وفي كارثة فوكوشيما، عادت الدولة للاعتماد عليها في إزالة الأنقاض ومساعدة المنكوبين. العلاقة كانت واضحة: تسجيل رسمي للأعضاء، مقرات قانونية، رقابة أمنية، وتسامح مشروط… مع خط أحمر واحد: الجرائم العنيفة والمخدرات.
في سويسرا، لا يحتاج أحد إلى تذكير بدور البنوك في استقطاب أموال العالم، بما فيها الأموال القذرة الناتجة عن الحروب والنهب والاتجار غير المشروع. ورغم كل الانتقادات الأخلاقية، بنت سويسرا اقتصادًا قويًا ونظامًا ماليًا متماسكًا.
تونس: المشكلة ليست في وجود الفساد… بل في كيفية التعامل معه
في تونس، لدينا تهريب، وسوق سوداء، وكريبتو، وتجارة عملة صعبة خارج المنظومة. بدل مطاردتها بشعارات أخلاقية عقيمة، آن الأوان لإدخالها تحت رقابة الدولة، الاستفادة منها في توفير العملة الصعبة وسداد الديون، مع إبقاء عينٍ مفتوحة للمراقبة ومنع الانفلات.
مقاومة الفساد ليست خطأ. لكن الأخطر هو التعامل مع الفساد بمنطق شعاراتي يُدمّر الاقتصاد بدل إصلاحه. الفساد الأكثر تدميرًا اليوم ليس التهريب فقط، بل البيروقراطية القاتلة والضغط الجبائي الجنوني الذي يخنق أي مبادرة.
الديمقراطية التمثيلية وحدها لا تكفي
كل ذلك لا يمكن أن ينجح في ظل ديمقراطية تمثيلية هشة، خاضعة للابتزاز، واللوبيات، والتحالفات الانتهازية. البديل هو الديمقراطية المباشرة:
حق المواطنين في فرض استفتاء عبر جمع عدد محدد من الإمضاءات، سواء لاقتراح قانون أو لإلغاء قانون صادق عليه البرلمان.
هذه الآلية ليست ترفًا، بل صمام أمان يمنع الانحراف بعد توحيد الشعب، ويضمن أن تبقى السلطة دائمًا في يد المواطنين، لا في يد النخب أو التحالفات المؤقتة.
الخلاصة
تونس لا تحتاج إلى شعارات جديدة.
تحتاج إلى مبدأ واحد واضح:
نختلف داخليًا، لكن نتوحّد عندما يتعلق الأمر بالدولة.
«أنا وخويا على ولد عمي، وأنا وولد عمي على البرّاني»
ليست دعوة للعصبية… بل وصفة بقاء.


تعليقات
0