Open Politic|الأمن القومي

حين تُقصي الدولة كفاءاتها: لماذا تخسر تونس أبناءها

Messenger_creation_1C661014-47C2-4DEF-9FC7-29494DBDAF0A

لا يخفى على أحد ضيق سبل العيش الكريم وفرص النجاح الاقتصادي في تونس، سواء لدى الشباب أو الكهول. هذا الواقع الصعب دفع شرائح واسعة من النخبة التونسية، من مختلف الطبقات الاجتماعية، من الفقيرة إلى الثرية، إلى الهجرة بحثًا عن الاستقرار والكرامة وتحقيق الذات.

وقد أدّى هذا النزيف البشري إلى كارثة ديمغرافية واقتصادية حقيقية، إذ أصبحت خيرة الكفاءات التونسية تعيش في المهجر، وتمكّن عدد كبير منها من الحصول على جنسيات أخرى، نتيجة اندماجهم وعملهم لسنوات طويلة خارج الوطن.

المؤسف أنّ الدولة التونسية، بدل أن تسعى إلى استقطاب هذه الطاقات البشرية المؤهلة والاستفادة من خبراتها، اختارت التشكيك في وطنيتها، عبر منع مزدوجي الجنسية من تولّي مناصب سياسية ومسؤوليات عليا.

وهي سياسات لا تشجّع، بأي حال، على عودة الأدمغة إلى تونس، لأن هؤلاء، وإن كانوا مستعدين لخدمة بلدهم، لا يمكن أن يُطلب منهم التفريط في جنسية ثانية حصلوا عليها بعد تضحيات جسيمة: هجرة محفوفة بالمخاطر، سنوات من الغربة، تهديد دائم بالطرد، ورغبة في تأمين مستقبل أفضل لأبنائهم، فضلًا عن حرية التنقّل والعمل التي تتيحها تلك الجنسيات، على عكس ما تعانيه الجنسية التونسية من قيود مؤلمة.

فكيف لتونس أن تستفيد من خبرات أفضل أبنائها، وهي في الوقت نفسه لا تثق فيهم، وتطالبهم بالتخلّي عمّا ضحّوا من أجله لسنوات؟

وعند النظر إلى التجارب المقارنة، نجد دولًا قوية – مهما كان الموقف الأخلاقي أو السياسي منها – نجحت في توظيف جالياتها في الخارج دون التشكيك في ولائها.

فإسرائيل، على سبيل المثال، رغم كونها دولة مرفوضة وعدوّة من حيث المبدأ، استطاعت أن تبني قوتها عبر الاستفادة القصوى من يهود العالم، واستقطابهم دون فرض التخلّي عن جنسياتهم الأصلية. وقد ساهم ذلك في جعلها متقدمة في مجالات عديدة، خاصة التكنولوجيا، دون أن تتحوّل مسألة تعدد الجنسيات إلى ذريعة للتشكيك أو الاتهام بالخيانة.

وكذلك الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، أقوى دولة في العالم اليوم، والتي قامت أساسًا على هجرة الكفاءات. فالقانون الأمريكي يسمح لمزدوجي الجنسية بتولّي مختلف المناصب السياسية، بشرط حمل الجنسية الأمريكية، مع استثناء وحيد لرئاسة الجمهورية التي تشترط الولادة داخل التراب الأمريكي. وقد رأينا كيف وصل مهاجرون، قدموا إلى أمريكا في سنّ مبكرة، إلى أعلى المناصب المحلية، كما هو الحال في رئاسة بلديات كبرى المدن.

من هنا، يصبح إصلاح هذا الجانب أحد المفاتيح الأساسية لاستعادة الكفاءات التونسية. فالسماح لمزدوجي الجنسية بتولّي جميع المناصب السياسية، دون تمييز أو تشكيك، ليس تنازلًا عن السيادة، بل استثمارًا في الخبرة والمعرفة والشبكات الدولية التي تحتاجها البلاد اليوم أكثر من أي وقت مضى.

تونس لا تعاني من نقص في العقول، بل من سوء توظيفها.

مواضيع ذات صلة

تنظيم إدماج البنى الإجرامية المحلية في إطار قانوني لخدمة الأمن والتنمية بالمناطق الفقيرة

محكمة جنايات بمحلفين من طلبة كليات الحقوق

قدسية حق الملكية 

تكريس حق الدفاع المشروع وتعزيز دور المواطن في التصدي للجرائم

نظام تصنيف السجون و اعادة التاهيل : نحو منظومة عقابية ذكية تُنهي الجريمة بدل أن تُعيد إنتاجها

قانون حماية الفئات الضعيفة دون تمييز 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات

0