نظرًا لتكرار أزمات نقص الأدوية في تونس، وما ترتّب عنها من مساس بحقّ المواطن في العلاج،
ونظرًا لتضخّم الأعباء المالية والتنظيمية المسلّطة على الصيدلية المركزية، واهتراء منظومة التوريد المركزية الحالية،
ونظرًا لنجاح عديد الدول في الجمع بين الدور السيادي للدولة وحرية السوق المنظَّمة،
ونظرًا لضرورة تحرير طاقات القطاع الصحي دون التفريط في السيادة الصحية أو ترك المواطن رهينة لمنطق تجاري بحت،
ونظرًا للحاجة إلى إدماج تونس في الدورة الدوائية العالمية واستقطاب المخابر الأجنبية مع حماية السوق الوطنية من الإغراق والاحتكار،
يُسنّ هذا القانون قصد تنظيم استيراد الأدوية، وتكريس دور الدولة السيادي، وتأطير مساهمة القطاع الخاص، وضمان حق المواطن في دواء متوفّر، آمن، وبسعر معقول.
—
الفصل الأول – مبدأ السيادة الدوائية
تُعتبر الأدوية من السلع السيادية والاستراتيجية.
وتلتزم الدولة بضمان توفّرها وجودتها واستقرار أسعارها، وحماية الأمن الدوائي الوطني.
ويُمنع منعًا باتًّا خوصصة الأدوية الأساسية والمدعّمة أو التفريط في الدور السيادي للدولة في هذا المجال.
—
الفصل الثاني – تنظيم فتح السوق تحت الرقابة
يُرخّص للخواص من شركات ومؤسسات صحية معتمدة استيراد الأدوية غير المدعّمة، وذلك بعد الحصول على ترخيص من وزارة الصحة طبق الشروط المضبوطة بهذا القانون.
ولا يشمل هذا الترخيص إلا:
الأدوية غير المصنَّعة محليًا، أو
الأدوية المصنَّفة ضمن قائمة النقص أو خطر الانقطاع عن التزويد، التي تُحدَّث دوريًا من قبل وزارة الصحة.
—
الفصل الثالث – شروط ممارسة الاستيراد من قبل الخواص
يشترط في كل شركة أو مؤسسة راغبة في استيراد الأدوية:
1. أن تكون معتمدة ومسجّلة في سجل وطني خاص بالمستوردين الدوائيين.
2. أن تخضع الأدوية المستوردة إلى:
مراقبة الجودة من قبل المخابر الوطنية المختصّة،
التسجيل الإجباري في قاعدة بيانات وطنية للأدوية،
تحديد سعر بيع أقصى للمستهلك.
3. أن تُطبَّق على الأدوية المستوردة التعريفات الجُمركية والأداءات المحدّدة بالقوانين المالية الجاري بها العمل.
وتُحدَّد الأسعار القصوى للعموم بقرار مشترك بين وزارة الصحة ووزارة التجارة والهيئة الرقابية المختصّة، بناءً على كلفة الشراء والتوريد وهوامش ربح مضبوطة.
—
الفصل الرابع – منع الاحتكار والإغراق
يُمنع كل فاعل اقتصادي من السيطرة على نسبة مفرطة من سوق دواء معيّن.
وتُحدَّد النسب القصوى للتوريد والتوزيع بقرار من الهيئة الوطنية لمراقبة سوق الأدوية، حسب طبيعة كل دواء وحجم السوق.
كما يُمنع بيع الأدوية بأسعار تقلّ عن السعر المرجعي الذي تضبطه الهيئة المختصّة، اعتمادًا على متوسط الأسعار الدولية وكلفة التوريد، وذلك قصد تفادي الإغراق والإضرار بالإنتاج الوطني أو بتوازن السوق.
—
الفصل الخامس – إحداث هيئة وطنية لمراقبة سوق الأدوية
تُحدث هيئة وطنية مستقلة تُسمّى “الهيئة الوطنية لمراقبة سوق الأدوية”، تتمتّع بالشخصية القانونية والاستقلالية الإدارية والمالية.
تُكلَّف هذه الهيئة بـ:
مراقبة عمليات الاستيراد والتوزيع،
ضبط الأسعار المرجعية والنسب القصوى للسيطرة على السوق،
التصدّي لممارسات الاحتكار والإغراق،
ممارسة صلاحيات الحجز الفوري،
وإحالة المخالفات الجسيمة على القضاء المختص.
—
الفصل السادس – دور الصيدلية المركزية
تواصل الصيدلية المركزية التونسية القيام بدورها السيادي في:
استيراد وتوزيع الأدوية الأساسية والمدعّمة،
تأمين المخزون الاستراتيجي الوطني من الأدوية.
وتلتزم الدولة بدعمها ماليًا ولوجستيًا، وضمان توازنها المالي، وتأمين حاجياتها من العملة الصعبة، باعتبارها أداة أساسية للأمن الصحي الوطني.
ولا تُعرَّض الصيدلية المركزية للمنافسة المباشرة في مجال الأدوية التي تدعمها الدولة.
—
الفصل السابع – العقوبات
1. تُعدّ كل عملية استيراد خارج الإطار القانوني تهريبًا صحيًا يُعاقَب عليه طبق التشريع الجاري به العمل، مع حجز البضاعة وتتبع المخالف جزائيًا.
2. تُسحب رخصة الاستيراد من كل جهة:
تُخالف شروط التسجيل،
أو تمارس الاحتكار،
أو تقوم بمحاولات إغراق أو غش دوائي.
3. تُحدَّد العقوبات المالية والإدارية والجزائية حسب خطورة المخالفة وطبيعتها.
—
الفصل الثامن – التقييم والمراجعة
تُقدّم الحكومة تقريرًا سنويًا إلى البرلمان حول:
وضع سوق الأدوية،
مستوى التزويد،
نتائج تطبيق هذا القانون.
وتُراجع قائمة الأدوية المسموح باستيرادها من قبل الخواص دوريًا كل ستة أشهر من قبل لجنة وطنية مختصّة.
—
الخاتمة
يهدف هذا القانون إلى إرساء نموذج تونسي يقوم على تحرير منظَّم وذكي لسوق الأدوية،
يضمن التنوّع والاستمرارية،
ويُقلّص النقص،
ويحمي المواطن من الفوضى والاحتكار،
ويُحصّن في الوقت نفسه السيادة الدوائية للدولة،
ويجعل من القطاع الصحي رافعة من روافع التنمية والسيادة الوطنية.


تعليقات
0